مشاهدة النسخة كاملة : شكيب الجابري


غيث
07-07-15, 06:25 PM
مقال اعجبني راااائع ومميز لــ شكيب الجابري وهو اديب سوري :::


ـــــــــــــــــــــــــ

في كل ثقافة ثمة سلسلة او نسق ثقافي يحتوي على مجموعة من الاجناس والمفاهيم الادبية التي تكوّن هذه السلسلة الادبية، فالادب العربي يحتوي على مجموعة من الاجناس كالشعر والتاريخ والسيرة.. ويكاد ينفرد بجنس المقامة، بينما الآداب الاوروبية تحتوي سلسلتها الادبية على المسرح والرواية والشعر بأنواعه الملحمي والغنائي والدرامي.. وتكاد الملحمة ان تكون منذ هوميروس فناً اوروبياً.. بينما تنفرد الثقافة اليابانية بالمقطع الشعري المعروف باسم «الهايكو».
لكن الثقافات لا تبقى منعزلةً عن بعضها .. ففي العصور الحديثة- مثلاً- حدث ما يمكن ان يُسمى «وحده العالم» بعد امتداد الرأسمالية الأوروبية و«توحيدها» للعالم عبر اقتصادها واتصالاتها ومن ثم حدث تداخل وتواصل بين المجتمعات، وتبادلت هذه المجتمعات.. فيما تبادلت الاجناس الادبية وبالطبع فإن الثقافات الاقوى فرضت اجناسها الادبية على الثقافات الاضعف مثلما فرضت باقي مناحي حياتها.
اذا كان هناك خلاف في تفسير نشوء الرواية الاوروبية، وهل يعبر هذا الجنس الادبي عن صعود البرجوازية- كما يقول لوكاتش(1) ، وقبله وبعده كثيرون أم أنه يُعبّر عن الروح الشعبية وتدخلها في التاريخ والثقافة الرسمية كما يرى باختين (2) ، فالامر في الثقافة العربية يبدو اكثر سهولةً ، فمن شبه المؤكد ان الرواية العربية لم توجد قبل الاتصال بالحضارة الغربية الحديثة واول رواية عربية جديرة بحمل هذا الاسم لا تعدو اوائل القرن الماضي.. سواء أكانت «الاجنحة المتكسرة» لكاتبها جبران خليل جبران، كما يرى بطرس حلاق (3) أم كانت زينب لكاتبها محمد حسين هيكل، كما يرى عبد المحسن بدر(4)، ام كانت روايةً أخرى يقترحها كاتب آخر.
صحيح إنه كانت هناك «الف ليلة وليلة» والسير الشعبية، ومعهما المقامة، الا ان الثابت أن فنّ الرواية العربية نشأ متأثراً بفن الرواية الاوروبية الحديثة، وليس بالاجناس المحلية، وقد مرّت فترة اقتباس طويلة عرّب فيها المترجمون العرب، واقتبسوا كثيراً من الروايات الاوروبية الى درجة جعلت كتاباً عرباً يشكون بذلك في أوائل القرن الماضي (5) الى ان أتى الطفل السعيد اي الى ان كُتبِت اول رواية عربية.
كانت السلسلة الثقافية العربية في أوائل هذا القرن تقليديةً تحتوي على علوم الدين كمباحث عقائدية، والشعر والمقامة وكتب الاخبار، كمباحث فنية، بل ان الشعر كاد يكون الفن الوحيد المعترف به، ولهذا كانت دراسة الادب تعتمد على الكتب التقليدية (6) مثل «ديوان الحماسة» او كتاب « الكامل » أو «الأمالي» او « العقد الفريد » أو «الاغاني» مع دواوين الشعراء ورسائل الجاحظ وغيره، لكنها كلها كتب قديمة بعيدة عن الواقع الحياتي كما كان، في أوائل هذا القرن(7) .
في هذه الفترة ظهرت الرواية العربية وكأنها تدخل في هذه السلسلة الادبية الثقافية او قطع لها، تدخل كفن آتٍ من الخارج أولاً، أي من خارج هذه السلسلة- التراث، اذ تدخلت الرواية كفن يعالج اليومي والراهن، ومقابل كتب الادب التي تتحدث عن الماضي ، أليس من بعض تعريفات الرواية انها «خيال نثري » أو أنها « نثر واقعي » أو أنها « انطباع شخصي مباشر عن الحياة (3) ويبدو انه ليس من المهم أي الروايات العربية كانت الاولى، فالذي يعنينا هنا هو الظاهرة، ظاهرة القطع في السلسلة الادبية او دخول جديد على هذه السلسلة.
معروف ان كل شكل ادبي جديد هو من حيث المبدأ استجابة لحاجة اجتماعية- جمالية جديدة، وبالتالي فإن اي شكل ادبي «جنس» جديد يدخل سلسلة ما من الخارج، شأن دخول الفن الروائي الى الثقافة العربية، او يكون نتيجة هذه السلسلة في خصوصية تطورها.. شأن المقامة في الادب العربي، يكون تجديداً، فالشكل الادبي «الجنس» الجديد- اي شكل - هو شكل «جنس» «ثوري ، ان ظهوره لأنه يخلخل السلسلة التقليدية من جهة، ويكون سلسلةً وسياقاً جديدين من جهةٍ ثانيةٍ.. لكن الشكل التجديدي «الجنس» يمر بمراحل متعددة حتى يستقر، ويصبح جزءاً من مكونات السياق الثقافي الذي دخل اليه، ومن ثم يتعرض لدورة طبيعية اخرى، فبعد ان يكون في بدايته تعبيراً عن الجديد اجتماعياً- وجمالياً، يصبح بالامكان استيعابه في سلسلة وسياق العناصر التقليدية، بل ويصبح تقليدياً في بعض استخداماته، والمثال واضح من تاريخ استقبال جنس الرواية في الثقافة العربية، فبعد ان ازدراه ورفضه التقليديون في الثقافة العربية، مثل العقاد وزكي مبارك والرافعي (8) ، جاء كتّاب آخرون يعبّرون عن رؤى وقيم اجتماعية تقليدية بوساطة هذ الفن الادبي، بل لقد حاوله بعض الذين ازدروه كالعقاد .
وحوالي منتصف القرن الماضي.. صار بامكان مارون عبود ان يكتب :
« كان اكبرهم الاديب فيما مضى، أن يكون شاعراً.. اما اقصى ما يروم اليوم فهو أن يُحصى في عداد القصصيين »(9).
من الملاحظ ان الرواية العربية ولدت مع حركة التجديد التي بدأت تظهر واضحةً في الثقافة العربية ولغتها في أوائل هذا القرن، ولذلك يبدو هذا التجديد السريع في اللغة العربية واضحاً من خلال التاريخ القصير للرواية، فإذا كان التغيير في اللغة العربية جزءاً من عملية التغيير الاجتماعي الثقافي، ككل، فإن ولادة الرواية العربية كانت جزءاً من هذه العملية الاجتماعية - الثقافية فاللغة ، كما هو معروف ليست مجرد «نظام العلامات» فقط، بل هي جزء من الكل الاجتماعي ومن نظام قيم هذا الكل الاجتماعي ايضاً، والتغيير في نظام القيم.. يعني تغيّراً في اللغة، والعكس صحيح اي ان التغيير في نظام اللغة وطرق استخدامها ، إنما هو وجه آخر للتغيير في نظام القيم، أي في النظام الاجتماعي، فاللغة جزء من نظام واقع ،سكونه هو جمودها، وحركتها هي تجديده وسواء أكان الكاتب واعياً للأبعاد الفكرية والاجتماعية لممارسته اللغوية- الفنية، أم غير واعٍ، فإن ذلك لا يغيّر من السيرورة العامة.. ومن الاستنتاجات التي تقود اليها هذه المقدمات، ولعل من اولها ان أي كاتب كان يحاول الجنس الروائي في أوائل هذا القرن.. ومهما كان يبدو تقليدياً في تفكيره ولغته، كان «تحديثياً» بمقياس خلخلة نظام السلسلة الادبية التقليدية السائدة آنذاك، ربما اكثر من اي شاعر كان يظن انه يجدد الشعر والثقافة العربية عن طريق وصف الطائرة، وربما تكون من نتائج هذه المقدمات، أيضاً، أن أية خلخلة لنظام اللغة تكون تجديداً، بل وثورية أكبر من العبارات الطنانة التقدمية و«الثورية» المصوغة على الطريقة التقليدية، وقد نكون متطرفين عندما نقول- حسب هذا المقياس- ان شاعراً كأنسي الحاج، او الماغوط، مهما كانت آراؤه السياسية هو اكثر تجديديةً وحداثةً من شعراء تقدميين سياسياً ومحافظين لغوياً وأسلوبياً، كالجواهري مثلاً ،وقل القول نفسه على خلخلة نظام اللغة ضمن الرواية نفسها، فالكتابة الروائية التي تقترب من الواقع واليومي عبر لغتها مبتعدة عن أسلوب اللغة والبلاغة العربية التقليدية.. كما في اللغة الروائية لحسيب كيالي ويحيى حقي، تكون أكثر جذريةً وتحديثية وخلخلة لنظام اللغة والبلاغة العربية التقليديين... أي لنظام القيم، من الكتابات التي تحافظ على جوهر اللغة الادبية العربية التقليدية وميلها للإنشاء والديوانية والابتعاد عن الواقع اللغوي- الحياتي، شأن اللغة الروائية لإدوار الخراط مثلاً.
فكيف قطعت الرواية السلسلة الثقافية العربية اذاً؟..
كيف اصبحت الرواية- كجنس ادبي وطريقة في رؤية العالم، وتحديد الموقف منه وفيه- جزءاً من السياق الفني واللغوي للثقافة العربية المعاصرة؟!.
في أوائل العشرينيات من القرن الماضي أجرت مجلة الهلال استفتاء بين طائفة من الادباء والمستشرقين، وقد تضمن هذا الاستفتاء الاجابة عن سؤالين هما:
1- مستقبل اللغة العربية.
2- نهضة الشرق وموقفه إزاء المدنية الغربية (10).
واضح من جميع الاسئلة معاً انها مترابطة ، فاللغة العربية وقدرتها على الاستمرار مرتبطان بنهضة الشرق، أي قدرته على التواصل مع الحضارة الحديثة، والتي هي «المدنية الغربية» فهذه « المدنية» كانت سلسلةً جديدة ذات قيم ورؤى فكرية واجناس ادبية جديدة، وهي تتقدم نحو الشرق العربي مخترقةً، بل ومخلخلة السلسلة العربية التقليدية، بقيمها ورؤاها وأجناسها الادبية، وكل ذلك يحدث ضمن اللغة وبوساطتها ، فاللغة هي الميدان الذي تجري فيه هذه العملية، او قل هي المرآة التي تجلو عملية هذه الخلخلة، اللغة هي المرآة، ليس باعتبارها معاجم ومفردات وتراكيب واصواتاً، بل بما هي حاملة القيم وطريقة التفكير، بما هي مُظهرة للرؤية الكونية لثقافة من الثقافة، مثلما هي مظهر من مظاهر الرؤية الكونية لهذه الثقافة، ولهذه الجماعة البشرية او تلك .
كان التساؤل عن مستقبل اللغة العربية في حقيقته شكاً وتخوفاً، بل ارتباك امام اختراق « اللغة» الغربية «اللغة» العربية أمام اختراق الواقع للفكر والحاضر للماضي والجديد للقديم واليومي للذهني، وهو بالتالي تساؤل عن كيفية استيعاب السلسلة الغربية في السياق العربي، وهل يستطيع السياق العربي بلغته، وهي على ما عليه من تقليد وجمود استيعاب السياق الحضاري الاوروبي بتجديده واندفاعه؟ ومنذ ذاك الوقت والمعركة تدور ظاهرياً حول قدرة اللغة العربية على مواكبة الجديد ، وعملياً كانت المعركة في حقيقتها تدور حول استيعاب المجتمع العربي التقليدي ، بقيمه ورؤاه التي تعبّر عنها لغة للحضارة ،«اللغة» الاوروبية الحديثة، والتي اصبحت عالميةً حقاً أي عملياً هل يستطيع المجتمع العربي النطق بلغة أخرى مع الحفاظ على لغته- هويته؟ هل تستيطع الرواية، سليلة التطورات الاجتماعية والثقافية الاوروبية ، ان تجد لها مكاناً في المجتمع والثقافة العربيين؟ ذلك سؤال مضمر في السؤال الرئيسي .
تعددت الآراء والاجابات منذ أوائل القرن الماضي.. وما تزال تتعدد، فثمة أكثرية عربية مثقفة تقول بقدرة اللغة العربية على استيعاب العصر، والدخول في سلسلته الثقافية وسياقه الثقافي ، لكن كان هناك من يقارن وضع اللغة والثقافة العربيتين الحاضرين آنذاك بالوضع المتقدم للمجتمعات والثقافة الغربية، فيقول بتخلف اللغة التقليدية العربية، ويحكم، وبسبب تاريخها القديم هذا السبب الذي يراه انصارها حجةً، بعدم قدرتها على مسايرة العصر بلغاته ذات السمات التي تختلف عن سمات اللغة العربية ، او ما يراه « سمات » لهذه اللغة(11). وبين هذا الرأي وذاك كانت اللغة العربية تختبر نفسها وقدرتها على أداء الحساسية الجديدة والمشكلات المعاصرة، وذلك عبر الممارسة الحياتية والكتابية لهذه اللغة والرواية العربية كانت أحد الميادين التي اختِيرت فيها اللغة العربية

سلطان
07-07-15, 08:36 PM
شكرا سما على الموضوع

مَلك
07-07-17, 02:52 PM
مقال مفصل ورائع في الروايه والثقافه الادبيه

مشكووور عـ الموضوع الراقي

أمير بكلمتي
07-07-17, 09:34 PM
مشكور على المقاااااااااال الرائع

L.aR
07-07-18, 07:10 PM
الف شكر على المقال الرائع

وشكيب الجابري من المؤاسسين للحركه الادبيه بسوريا

سليمان التميمي
07-07-22, 06:01 PM
ألف شكر وتحية

من سليمان التميمي

! jUst a soUl
07-08-06, 11:59 PM
ومع ذلك فــ الروايه العربية وجدت لها مكاناً مٌميزا مابين الثقافات المختلفه ..
،،،
شكراً لــلإنصاف هنا

؛؛؛

خالد الرشيد
07-08-07, 11:53 PM
؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟

غريب الدار
07-08-15, 05:53 AM
مشكور على الموضوع

شـبـاصـه
07-08-15, 11:54 AM
بارك الله فيكِ سماء على نقل المقـال...

تسلم الايادي,

الشمالي
07-08-25, 03:50 PM
مشكور على المقال

الــحــايــلــي
07-08-26, 03:22 AM
يعطيك العافية على المقال

غيث
07-08-28, 11:31 PM
تـــــسلموون علىى االمرور جميعآ

تحيتي

مطب طبيعي
07-09-17, 04:41 PM
شكرا عى الموضوع

غيث
07-12-27, 02:36 AM
العفــــــــو

مرور جميل